بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 19 نوفمبر 2016

العدد 8 لسنة 2016 .. فائز الحداد الشاعر الذي تمكن من إيصال بنائه الشعري بإحكام متدرج نحو النمو .. قراءة / أحمد البياتي


 العدد 8 لسنة 2016

فائز الحداد الشاعر الذي تمكن من إيصال بنائه الشعري بإحكام متدرج نحو النمو
 
قراءة / أحمد البياتي
 



( مرايا آدم ) مجموعة شعرية للشاعر فائز الحداد صدرت عن دار العراب للدراسات والنشر والترجمة / دمشق ـ سورية وهي من القطع المتوسط جاءت ب ( 133 ) صفحة وتضمنت ( 42 ) قصيدة شعرية .
أنّ أول ماواجهني به الشاعر فائز الحداد في هذه المجموعة وأنا اتصفحها لغته الشعرية من حيث المفردات والتراكيب فيما يكتب ، إذ يرسم واقعاً جديداً صار خلفية جديدة لمزاج جديد يعيشه وينشر قلقه على كل شيء قريب منه من خلال مونولوج بارع تتكرر فيه التساؤلات والإستفهامات ، ولمست أيضاً ان طبائع الأسلوب والإيقاع متماثلة كونه نفذ الى ضميره ، أو أنه بث فيها من معاناته مبتعداً عن العبارة الفضفاضة المرتهنة للتعليل ، متقصياً ومتحرياً حتى تتبين له الصورة الشعرية الشاخصة .
في قصيدة ( ارهاب الخبز ص 43 ) يقول :
آن لكَ أن تلغي ظلّك الراهب من نعش الحقيقة
لا أن تبقى عاشقَ وجهكَ السادن
الغِ ملامحكَ بالعزاءِ ، وغادر خبز الخيال
لقد شطبتكَ الحقائبُ من طحين الأسماء ..
وترملّت على شفة الوداع في مطاركَ العتيد
فمنذ عشرين قبعة ، خلّفتها على أكتاف المريمات
لم يصب بؤبؤكَ امرأة .. كنتها كعشق الفيء للعريش
وقد قلّتها بطوى الوداع :
" يكفي بأنكِ قد ولدّتِ على يدي ، فأنتِ غرسي
وحين أبحتِ لي حق الرحيل ..
ذبحتكِ وأضعتُ نفسي " !!
ذاته الشاعرة استطاعت ان تضفي تشكلات جمالية وتمظهرات عدة عِبْرَ الصور والأخيلة التي جسدت الفعل الإبداعي للجملة الشعرية في بناء تعبيري متقن وتصور خاص لمفهوم الشعر ووظيفته . ففي نفسه حاجة ملحة للبوح ونشر الحقائق التي خزنها داخل نفسه الإنسانية فتمكن من توضيح اشارة دلالة المقاطع المرتبطة فيما بينها ، وهذا ماجعل لمحاته الشعرية توّلد جمل شاعرية مصاغة بدقة متناهية ، كان واضحاً في إيصال بنائه الشعري بإحكام متدرج نحو النمو مستنداً الى الوجدانية الشاعرية معبراً عن تجربته العميقة للحياة بما فيها من الخليط المتجانس للأحداث.
في قصيدة ( رسولُ المياه ص 68 ) يقول :
كنتُ مؤمنا :
أن الحبَّ كسرِّ النبوءةِ سرٌ
لايُعلنُ إلا بالبياض
وأن عشقي أنويٌ .. يغار عليَّ كطفل ! ؟
كنتُ لاأمازح الأناث بالأناث ..
ولا ذيول الثعالبِ بالرجال
وليس في حسبتي ذوات الشرائط الخضر ..
وغرف الأواني المستطرقة
ولا أتبادل النساء في هسيس " الزوجات !!" ؟
أحادي أناي ، وربيعي نفسي
أحمل غصون من أحبُّ مثقلة بالثمار ..
وأموت دون سؤال ربيعها
أعرف ..
لابد للشاعر ان يمتلك رؤية خاصة به ، تختزل موقفه الفكري والجمالي من الحياة والشعر والعالم ، رؤية تجدده من الداخل وتجعل من عمله الشعري أو مجموع كتاباته الشعرية وحدات متفاعلة داخل سياق رؤيوي متجانس شديد الفاعلية ، في مجموعة الشاعر فائز نظرت الى بداية النصوص ونهاياتها فوجدت انها ترفع من وتيرة توتر التجربة وتثري المعنى ويطلقها في فضاءآت عدة تيسر قراءآت كثيرة تخصب دلالاته ، واذا كان النص الشعري يبحث عن معنى للحقيقة ،فان المعنى الملتقط يكون تحت أوجه عدة ، لذلك فان عودة النهاية في النص الى احضان البداية والتواشج معها يعني تشابك اللحظة النفسية واللحظة الشعورية مع لحظات التأمل في جوانب أخرى .
في قصيدة ( إيزابيلا ص 98 ) يقول :
أستميح غبار الشكّ ِ اعتذار التاريخ
فالجرح كالوشم يبقى شاخصا بالسواد
لاتمحوه الخطى الوائدة ، مهما تداعت الآثار!؟
فأيتها الغرناطيّة ..
لقد أكتويتُ بلاهب وجدكِ المتجاهل
جسدا جامح الهوى ، وقلباً أتعبته المسافات
فحين أوثقت عيناكِ قدمي .. هاتفني قلبكِ
بأنَّني رهينكِ المأخوذ لجنة الدار
المحسوبة أهدابه بسلالم الحلم
والصائد المصيود بفديةِ التاريخ !؟
لم تكن الأندلسُ ، أرض عدنٍ قبلكِ
ولا " الأمازيغيات " ملكات سبأ
ولا أنا الفاتح لرقيم الطوارق !
لكنكِ .. ك " إيزابيلا .. "
بضمير أندلسي
تشائين الممالك فاتحة !!؟
الشاعر فائز اشتغل في بناء نصوصه على العمق التصويري في صناعة الصورة التي تمزج بين المعنى الحسي والذهني مع الإحتفاظ بالمدلول الزمني عبر الصورة الشعرية التي كشف فيها عن إيقاع داخلي ، فهو يعمل على ملاحقة المعنى وتفجير الطاقة الدلالية في النص الشعري ليجسد الدهشة الجمالية التي تترجم الإحساس العام الذي يتولّد في نفس المتلقي ، إذ استعان بمختلف وسائل التعبير من اجل توصيل رسالته الشعرية وخلق الدهشة باستعارات حيّة ومتوهجة .
في قصيدة ( أيوب ص 15 ) يقول :
أي الوداعات .. في الصّبر الجليل ؟
أي حمّى نبيّة ..
كالفراغات .. أملؤها بصبري ؟؟
الصور ماعادت خيولي كظلّ
العيون ماأبصرتّني كحجر ..
وأنتَ تنسخني آدم من تراب !؟
عزميَّ المقدّس ..
أنابني مراهنا فيكَ فالتحفّتني !
فكلُّ النبؤات مسافات لخطى
وكلّ الزعامات نساء
وأنت يارحاي .. موعد لإعلاني !!
أُعلن .. ربابتي في القيامة ..
حين يستلُّ المرء ذاته من عنق زجاجة
القصيدة الشعرية تكون حين تصير جسداً متدفقاً ، أن تكون جسد بمفاصل وفواصل تثير التأمل وتتنفس من ثقافة الشاعر وهمومه وأحلامه ، فهي تكون حين تُطلِعُنا على روح الشاعر وعلى مواقفه الفكرية والإجتماعية ، ونتيجة لذلك اعتمد الشاعر على التكثيف في بناء نصوص ممشوقة تعتمد على جزالة اللفظ وحلاوة الحرف الذي امتاز بالتدفق الإبداعي لديه ، وتبرز القدرة الإبداعية عنده عندما يسعى الى بناء النص تارة من خلال التداعي الحر أو من خلال الواقع وعدم ميله الى الخطابية أو التقريرية المباشرة تارة أخرى ، ويسعى الى بناء نصه الشعري من خلال تموجات ذاته الشعرية التي يجعلها تعيش حالة من التجلي وهو يحلّق عِبْرَ فيوضاته الشعرية الى عوالمه الخفية التي يعتقد أنها رؤياه للتواصل مع الوجود .
في قصيدة ( انفلات متخارج ص 96 ) يقول :
حين تنسرحينَ على مسلسل اللذّة
تميسين كالقطا الهائمة ..
جناحاكِ تفترشان الهواجس ، ودمكِ فائرٌ جدا
وأنا عارٍ ..
أستعيرالدفَّء منكِ ، ولو بهمسة جنح
قولي : تعال .. سأجيء إليكِ بجناح مشتعل
وحين نلتصق بزفرتينِ ..
تعلوا ناراتنا شبقاً .. فنخمدها بعرقين !!
ستنزفين حبّاً ، وأنزف لوعةً ..
بدماء مايفوق مسام جسدكِ الرهين
سأقبل تفاحتين وزيتونين ..
وألعب النرد على لوحكِ المهمل !!
وأهبط إلى قرّة عين الجسد ، عند مستقرّ الآلهة
وأعتب على فيضيكِ هناك
الإبداع هو أن تأتي بشيء جديد لم يسبقك اليه احد سواء على مستوى الكلمة او الموضوعة او على صعيد الصورة الشعرية ، وهذه الصورة الشعرية هي الأهم بالنسبة للشاعر لأنه يعطي الشعر كل شيء كي يعيده اليه بأفضل مما أعطاه ، واللغة في الكتابة الشعرية تعتبر ركناً أساسياً ومهماً إذ لاتنهض بدونها القصيدة لأنها موطن الهزّة الشعرية ، وان شكل النص الشعري او بناؤه اذا فصل عن شحنته المعنوية والنفسية لايعدو كونه ضجة مجردة ، كونه مجموعة خصائص تحكمه الممارسة الإبداعية وتعطيه الصواب عندما يتخلص الشاعر من القيود المحددة التي تربكه ، ففي الشعر نبحث عن الإبداعات وبخاصة مايتعلق بالجانب الإنساني كي نفهم طبائعنا ونتعرف على سر وجودنا في هذه الحياة ، كما أن العنوان يمثل العتبة الأولى التي يلج منها القارىء الى عالم الشعر .
في قصيدة ( القيصر ص 61 ) يقول :
أيُّها القناص
ماأخبار جباه المدن المحترقة ..
والتواريخ المنتحرة ؟!
لاأطمع برسالة شظيَّة .. ترتّلها المآذنُ
في عين الغراب ..
ولا حلوى تفخَّخها على رصيف المعدومين
ولستُ بحاجة هاتف ملغوم يئزُّ برصاصة
اخبرني عن تلك الأصوات الشاكية لقيصر
عن زرقة من سرقوا الماء كتقية سماء
فما زال العيد مخمورا بنجيع أطفال الحيّ
والطرقات تئنُّ تحت شخير الجرافات
حدثني .. عن نيرون القيصر
هل جاء القيصر ؟!
صوره الشعرية استمدها من بناة افكاره لتكون رموزاً تمثل مدلولات تفصح عن رؤيته الشعرية والنفسية وجعلها تدل على احساسه بالطوق الذي يلف واقعه ولذلك عبّر عن نفسيته المحاصرة فأنتج نصوصاً تراكمية متدرجة في عالمه الشعري ، قصائده تتناغم مع سياق عطائه الشعري كله بتجانس مكثف ليعيد تشكيل المرئيات من جديد ويضعنا امام طرق بيضاء ونحن نلج بساتين لغته الشعرية الممتعة ففيها نجد تأثير النغم المنبثق من أغوار نفسه ظاهراً ومجسداً من حيث التوحد في الحواس والرؤيا الشعرية .

هناك تعليق واحد:

  1. جميل إبداع الشاعر فائز الحداد وا
    لناقد احمد البياتي .. تحياتي

    ردحذف